عبد الوهاب الشعراني
186
تنبيه المغترين
أبا الضيفان لكونه كان يذهب الميلين إلى الضيف ليأتي به إلى منزله ، وقد كانت عائشة رضي اللّه عنها تقول ليس من السرف التبسط للضيف في الطعام ، وقد كان مجاهد رحمه اللّه تعالى يقول في قوله تعالى : [ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ] « 1 » ، إنما كانوا مكرمين لأن الخليل عليه الصلاة والسلام خدمهم بنفسه ، وكان عبد الواحد بن أبي ليلى رحمه اللّه تعالى لا يدخل عليه أحد إلا أطعمه وسقاه ثم اعتذر إليه أي اعترافا بأنه مقصر في حقه . ( قلت ) وممن أدركناه على هذا القدم سيدي الشيخ محمد بن عنان والشيخ أبو الحسن الغمري ، والشيخ عبد الحليم بن مصلح والشيخ محمد الشناوي والشيخ أبو بكر الحديدي وجماعة رضي اللّه عنهم أجمعين وكانوا لا يتكلفون للضيف خوفا أن يضجروا منه إذا أتاهم مرة أخرى ويقولون : من كان يطعم ضيفه ما يجد فلا يبالي به أي وقت جاء . وقد سئل عبد اللّه بن المبارك رحمه اللّه تعالى عن مناولة الضيوف الطعام لغيرهم فقال : إن كان لبعضهم فلا بأس وأما للأجنبي فلا ، وكان بكر بن عبد اللّه المزني رحمه اللّه تعالى يقول : من دعي إلى طعام فذهب معه بآخر استحق لطمة ، فإن قيل له اجلس ههنا ، فقال : بل ههنا استحق لطمتين ، فإن قال لصاحب الدار ألا تأكل معنا استحق ثلاث لطمات ، أي لأن ما فعله في الثلاث خصال فضول منه اه . وكان محمد بن سيرين رحمه اللّه تعالى يجتهد أن يطعم الضيف من شيء لم يكن عند ذلك الضيف ولا في بلده ، قال خالد بن دينار رحمه اللّه دخلت على محمد بن سيرين رحمه اللّه تعالى ومعي رفقة فأخرج إلينا شهدا وقال أظن أن مثل هذا ليس عندكم ، قلنا نعم ، وكان ميمون بن مهران رحمه اللّه تعالى يقول : من أطعم ولم يتمر - أي لم يطعم الضيف تمرا أو شيئا حلوا - كان كمن صلى العشاء ولم يوتر ، واعلم أن الواجب على المضيف أن يطعم الضيف من الحلال وأن يعمله بمواقيت الصلاة ولا يقصر عما قدر عليه من الدسم وحسن المطعم ، وأن الواجب على الضيف أن يجلس حيث أجلسوه وأن يرضى بما إليه قدموه وأن لا يخرج حتى يستأذن . وكان أوس بن خارجة يقول : ما دعوت قط نفرا إلى طعامي وأكلوه إلا ورأيت الفضل والمنة لهم على أكثر من منتي عليهم ، وكان حامد اللفاف رحمه اللّه تعالى يقول : من علامة المتفعل في الزهد أنه إذا استضافه أحد يذكر له سخاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وإذا أضاف هو أحدا يذكر له زهد عيسى عليه الصلاة والسلام .
--> ( 1 ) سورة الذاريات : الآية 24 .